البخاري

تصدير 52

صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )

ولا عجب في أن يعليه شيوخه وأقرانه إلى هذا المقام الرفيع ، فقد كان من أول أمره يروع كل من لقيه بغزارة حفظه ، ولكنه تجنّب الغرور بذلك ، ولم يقعد عن طلب المزيد وما فوق المزيد ، فتكلف من عناء الرحلة ما تكلف ، وما زال يلتقى بمحدثى الأمصار واحدا بعد واحد ، فيأخذ من هذا ما لا يجده عند ذاك ، ويتحمل عن كل شيخ ما انفرد به في الرواية ، حتى اجتمع له بهذا التحمل كل ما تفرق فيهم ، وبذلك امتاز عليهم أجمعين . * * * وليست الأعداد والمقادير هي كل ما يهمنا من حفظ البخاري ، فلا عبرة بكثرة المقدار ، إذا كان حافظها غير مأمون العثار ، ولا ضمان له من عروض الخلل والاضطراب ، ولذلك ينبغي أن نتعرف على جانب آخر ممّا يتعلق بهذا الحفظ ، وهو درجته من السلامة ، ومنزلة صاحبه من التمكن فيه . والواقع أن البخارىّ كان يحتلّ من هذا الجانب المحلّ الأرفع ، فقد كان يحفظ كلّ ما يسمع حفظ تثبت وتمكن ، ويختزنه في حرز أمين ، وحصن مكين ، ويكل حراسته إلى ذهن يقظان وحافظة ذاكرة ، لا يدركها وهن ، ولا يعتريهما تخليط ، فلا تندّ عنه كلمة من حديث ، ولا يجوز عليه تداخل في سند ، والتجارب التي عرضته لها الشهرة في الحفظ ، هي من الأدلّة الواضحة على أمانة حافظته ، وسلامتها من الاضطراب ، وقصته السابقة مع البغداديين واحد من هذه الأدلّة ، فهي ناطقة بسرعة حفظه ، حيث علّق الأحاديث المائة المقلوبة من أول سماع ، ثمّ استعادها بصورتها حسبما ألقيت